نها قضية تهزّ كرة القدم الجزائرية منذ قرابة عامين. منذ 13 أكتوبر 2026، تنظر محكمة سيدي امحمد بالجزائر العاصمة في ملف المسؤولين السابقين في الاتحادية الجزائرية لكرة القدم. ثلاثة رؤساء سابقون: خير الدين زيتشي، شرف الدين عمارة وجاهد زفزف، إضافة إلى ستة عشر متهماً آخرين، بينهم أمينان عامان سابقان والمدير السابق للإدارة العامة، يمثلون أمام القضاء بتهم خطيرة: إبرام صفقات مخالفة للمساطر، منح امتيازات غير مبررة، تبديد أموال عمومية، وإساءة استغلال الوظيفة.
لكن خلف خطورة الأفعال المنسوبة، قد يؤدي عنصر إجرائي إلى زعزعة بنيان الاتهام بأكمله. فمنذ افتتاح الجلسات، وجّه محامو الدفاع ضربة قاسية لمصداقية الملف: تقرير المفتشية العامة للمالية، وهو القطعة الأساسية في الاتهام، يُقال إنه غير موقّع ويفتقر إلى أي قيمة رسمية.
تقرير بلا توقيعات ولا مؤلفين محددين
كان المحامي كمال علاك، محامي جاهد زفزف، أول من أثار الخلل. وبحسبه، فإن تقرير المفتشية العامة للمالية لا يحمل أي اسم لخبير معتمد لدى المحاكم، كما أن أمر الإحالة لا يذكر مؤلفي الخبرة ولا صفتهم. وقد طلب محامٍ آخر للدفاع صراحة رفض هذه الخبرة، بحجة أنها «غير مطابقة ولا تحمل أسماء المحققين».
والحجة ليست هامشية. ففي الإجراءات الجزائية، يجب أن يستوفي تقرير التفتيش الذي يُبنى عليه اتهام وتحقيق قضائي شروطاً شكلية صارمة: تحديد هوية المحققين، التوقيعات، واعتماد الخبراء. وفي غياب هذه العناصر، ترى الدفاع أن الوثيقة لا تتمتع بأي قيمة إثباتية ولا يمكن أن تكون أساساً مشروعاً لاتهام.
شكوى أُطلقت منذ وصول وليد صادي
لفهم أصل هذه القضية، يجب العودة إلى سبتمبر 2023. فمنذ انتخابه على رأس الاتحادية الجزائرية لكرة القدم، أطلق وليد صادي تحقيقاً من المفتشية العامة للمالية. وأفضى هذا المسعى إلى إيداع شكوى لدى وكيل الجمهورية بالقطب الاقتصادي بالجزائر العاصمة، شملت الرؤساء الثلاثة السابقين وعدة إطارات في الاتحادية.
وعلى أساس هذا التقرير، الذي يُطعن فيه اليوم لغياب التوقيعات وتحديد مؤلفيه، انطلقت الآلة القضائية. وكان خير الدين زيتشي أول من زُجّ به في السجن، حيث وُضع في الحبس المؤقت بسجن القليعة في نوفمبر 2024. وهو يقضي اليوم أكثر من 23 شهراً في الحبس المؤقت.
محاكمة استثنائية بعد ست تأجيلات
كانت جلسة 13 أكتوبر 2026 منتظرة منذ قرابة عامين. وقد أُجّلت المحاكمة ست مرات لأسباب متنوعة: طلبات الدفاع لدراسة الملف الضخم، غيابات أطراف، تزامن مع المولد، أو تعذّر حضور محامٍ بسبب وفاة.
ملف هش في الجوهر
إلى جانب العيوب الإجرائية، يبدو أن جوهر الملف يتآكل أيضاً. فقد استُبعد عقد أديداس الشهير، الذي قُدّم كعنصر محوري في القضية، بعد خبرة مضادة طلبتها وزارة الرياضة، خلصت إلى قانونيته.
عدالة بسرعتين؟
تكشف القضية وضعاً مفارقاً على الأقل. فمن جهة، هناك رجال محتجزون منذ أشهر، وأحياناً قرابة عامين، على أساس تقرير تُطعن اليوم علناً في صحته الشكلية. ومن جهة أخرى، يواجه الطرف المدني (وزارة الرياضة) التشكيك في شرعيته من الدفاع، الذي يشدد على أن الاتحادية جمعية وليست جهازاً تابعاً للدولة.
ومن المنتظر أن تتواصل المحاكمة مع دراسة مختلف فصول القضية. لكن سؤالاً يبقى قائماً: كيف يمكن لشكوى مؤسسة على وثيقة غير موقّعة، ودون تحديد مؤلفيها، أن تؤدي إلى سجن عدة مسؤولين وتحرّك الجهاز القضائي الجزائري طوال عامين؟
الجواب أصبح الآن بيد القضاة. لكنه قد يحدد ليس فقط مصير المتهمين، بل أيضاً ثقة الجزائريين في مؤسستهم القضائية.