36
عمق التعازي للروح الطاهرة لمحمد زرّوقي، المربي والمدرب الاستثنائي. قصته هي قصة رجل كرّس حياته للرياضة والتربية، قبل أن تحطّمه النكران.
حياة من التفاني والتربية
كان محمد زرّوقي أكثر من مجرد مدرب؛ لقد كان بنّاءً. بصفته إطاراً متميزاً وأستاذاً رفيع المستوى في ألعاب القوى، كرّس حياته للرياضة وقيمها. وكان أكبر فخر له بلا شك أنه هو الذي كان وراء إنجاز عبد الرحمن حمّاد، تلك الميدالية البرونزية الأولمبية في رياضة لم تكن من اختصاص شمال إفريقيا. وخلف تلك الميدالية، كانت هناك سنوات من العمل والتضحيات والاستثمار الإنساني الكامل.
لم يقتصر تفانيه على التدريب الرياضي فقط. فأسمى أعماله النبيلة كانت احتضانه لحمّاد الشاب، ذلك المراهق الذي تخلى عنه والده، وكان يعيش مع جدته ويبيع السجائر في الشارع ليعيش. لم يقدّم له محمد زرّوقي التدريب فحسب؛ بل قدّم له بيتاً وأسرة. استقبله في منزله، وأطعمه، وربّاه، وعامله كابنه فؤاد، مشاركاً إياه تفاصيل الحياة اليومية للعائلة لسنوات. وهذا العمل الإنساني والكرم هو سمة الرجل الاستثنائي.
النكران وخيانة الابن الروحي
مأساة حياة محمد زرّوقي هي أن كل ما بناه تحطّم على يد من أنقذه. فقد منحت الدولة عبد الرحمن حمّاد شهادة مربٍ ومنصباً ميزانياً سمح له بتقاضي راتب دون أن يعمل يوماً واحداً، وهو تفضيل دفع به، بالمكر والدهاء، إلى رئاسة اللجنة الأولمبية الجزائرية ثم إلى منصب وزير.
لم يكن مسار حمّاد مسار عرفان، بل مسار تصفية حسابات. وكان من أولى قراراته إبعاد معلمه ومحسنه محمد زرّوقي عن كل الأنشطة الرياضية. وكان الفعل الأكثر قسوة وشخصية هو شطب ابنه، فؤاد زرّوقي، من قائمة المرشحين لنيل شهادة المربي. لقد كان تدنيساً لذكرى عائلة احتضنته، ونكراناً مطلقاً حطّم قلب من ربّاه كابنه.
موت بالحسرة
محمد زرّوقي، المجروح في جسده وروحه، والذي خانه من كان ابنه الروحي، عاش سنواته الأخيرة في توتر واكتئاب وخيبة أمل عميقة وحيرة كبيرة. هذا الرجل الذي كان يتنفس الرياضة والميدان والمنافسة، وجد نفسه عاطلاً عن أي نشاط، مهمشاً على يد من أخرجه من الشارع.
موت محمد زرّوقي هو مأساة، "موت بالحسرة" سببه قسوة وعدم إحساس من كان تلميذه. نحن لا نبكي فقط مدرباً كبيراً، بل نبكي رجلاً طيب القلب، أباً لمن لا أب لهم، حُطّمت روحه الكريمة بالنكران.
سيظل اسمه مقترناً إلى الأبد بأجمل صفحات الرياضة الجزائرية، ولكن أيضاً بعبرة قاسية : قيمة العرفان وثمن الخيانة. رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان.